حيدر حب الله
189
شمول الشريعة
تركٍ من التروك يصدر عنك ، مهما كان وكيفما قوننته وفعلته ونظّمته ، فيجب أن لا يتعدّى الحدود الآتية : 1 - أن لا ترسب في الدراسة . 2 - أن لا تؤذي سائر الطلاب . 3 - أن لا تستهلك كلّ الميزانية التي أعطيك إياها هناك وتحتاج لما هو أكثر ، فإنّ ما أعطيكه فيه الكفاية لو نظّمت جدول مصروفاتك . في هذا المثال ، الوالد هنا يضع حدوداً لكلّ أعمال ولده في الجامعة طيلة خمس سنوات أو سبع سنوات مثلًا ، لكنّنا لا نقول بأنّه وضع منظومةً قانونيّة له لكيفيّة تسيير أعماله أو تنظيم تصرّفاته ، إنّ مفهوم الحدّ منسجم تماماً مع الكليّات ، ولا يضيق تفسيره في إطار وضع القوانين الجزئيّة ، فوجود حدود شرعيّة لكلّ شيء غير وجود أحكام قانونيّة لكلّ شيء بالتفصيل ، فلو قال الله : تاجروا فيما بينكم لكن لا تتعدّوا حدودي في التجارة وهي : السرقة والاختلاس وأكل المال بالباطل والظلم ، فقد وضع حدوداً لكلّ تصرّفاتنا التجاريّة ، لكنّه لا يقال هنا بأنّه وضع قانوناً للتجارة يمكن به إدارة التجارة الداخلية والخارجيّة . وعليه ، ففكرة الحدود الشاملة مغايرة لفكرة القوانين التفصيليّة الشاملة بمعنى أنّه قد توضع الحدود ولا توضع القوانين الكاملة وقد يجتمعان ؛ لأنّ القوانين لا تسمح بترك مساحة للإنسان كي يسنّ ويقنّن ، بينما فكرة الحدود تتوالم مع فكرة ترك مساحة للإنسان أن يقنّن بنفسه شرط أن لا يتعدّى الحدود ، والمساحة هنا متروكة ، وليست مباحة . وهنا ، نحن نبحث في شموليّة الشريعة بعد الإقرار بمرجعيّتها ، ومن ثمّ فشموليّة الشريعة قانونيّاً بالمعنى المدرسي السائد غير شموليّتها حدوديّاً ؛ لأنّ التحديد يقوم على ركنين أساسيين : 1 - الأصول المنطلق منها مثل الرؤية الفلسفيّة والأخلاقيّة التي تقوم صورة الإنسان في وعينا عليها ككونه مجرّد كمّ أو كونه آلة أو سلعة ، أو كونه موجوداً له حياة معنويّة أو غير ذلك . 2 - والغايات المنشودة ، فالشريعة عندما ترسم أصولًا لعمل الفرد وغاياتٍ له ، فهي من ثمّ أحكمت قبضتها على كلّ تصرّفاته ، بل أحكمت قبضتها حتى على نشاطه التقنيني اللاحق ؛ لأنّها وضعت المقنّن في سياق بارادايم محدّد ، دون أن تمنعه بالضرورة من القيام بوضع القوانين في مساحات قد تكون واسعة . قد تقول : إنّ هذا الكلام صحيح لولا سياق بعض النصوص ، مثل خبر أبي خديجة المتقدّم ( رقم : 2 ) ؛ إذ هو ظاهر في الشموليّة التفصيليّة .